السيد محمدحسين الطباطبائي

56

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

الاستعجال بالقراءة قبل قضاء الوحي وسيأتي توضيحه في المقام اللائق به - إن شاء اللّه تعالى - . وبالجملة فإن المتدبّر في الآيات القرآنية لا يجد مناصا عن الاعتراف بدلالتها على كون هذا القرآن المنزّل على النبي تدريجيا متكئا على حقيقة متعالية عن أن تدركها أبصار العقول العامة أو تناولها أيدي الأفكار المتلوثة بألواث الهوسات وقذارات المادة ، وأن تلك الحقيقة أنزلت على النبي إنزالا فعلّمه اللّه بذلك حقيقة ما عناه بكتابه ، وسيجيء بعض من الكلام المتعلق بهذا المعنى في البحث عن التأويل والتنزيل في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ « 1 » فهذا ما يهدي إليه التدبّر وتدل عليه الآيات . نعم أرباب الحديث ، والغالب من المتكلمين والحسيّون من باحثي هذا العصر لمّا أنكروا أصالة ما وراء المادة المحسوسة اضطروا إلى حمل هذه الآيات ونظائرها كالدّالة على كون القرآن هدى ورحمة ونورا ومواقع النجوم وكتابا مبينا ، وفي لوح محفوظ ، ونازلا من عند اللّه ، وفي صحف مطهّرة إلى غير ذلك من الحقائق على أقسام الاستعارة والمجاز فعاد بذلك القرآن شعرا منثورا . 3 - بعض الإشكالات والردّ عليها : ولبعض الباحثين كلام في معنى نزول القرآن في شهر رمضان : قال ما محصّله : إنه لا ريب أن بعثة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان مقارنا لنزول أوّل ما نزل من القرآن وأمره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالتبليغ والإنذار ، ولا ريب أن هذه الواقعة إنما وقعت بالليل لقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ « 2 » ولا ريب أن الليلة كانت من ليالي شهر رمضان لقوله تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ « 3 » وجملة القرآن وإن لم تنزل في تلك الليلة لكن لما نزلت سورة الحمد فيها وهي تشتمل على جمل معارف القرآن فكان كأن

--> ( 1 ) آل عمران - 7 . ( 2 ) الدخان - 2 . ( 3 ) البقرة - 185 .